سيد محمد طنطاوي
23
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الخطا لينصح قومه ، وينهاهم عن إيذاء الرسل ويأمرهم باتباعهم . قالوا : وهذا الرجل كان اسمه حبيب النجار ، لأنه كان يشتغل بالنجارة . وقد أكثر بعض المفسرين هنا من ذكر صناعته وحاله قبل مجيئه ، ونحن نرى أنه لا حاجة إلى ذلك ، لأنه لم يرد نص صحيح يعتمد عليه فيما ذكروه عنه . ويكفيه فخرا هذا الثناء من اللَّه - تعالى - عليه بصرف النظر عن اسمه أو صنعته أو حاله ، لأن المقصود من هذه القصة وأمثالها في القرآن الكريم هو الاعتبار والافتداء بأهل الخير . وعبر هنا بالمدينة بعد التعبير عنها في أول القصة بالقرية للإشارة إلى سعتها ، وإلى أن خبر هؤلاء الرسل قد انتشر فيها من أولها إلى آخرها . والتعبير بقوله : * ( يَسْعى ) * : يدل على صفاء نفسه ، وسلامة قلبه ، وعلو همته ، ومضاء عزيمته ، حيث أسرع بالحضور إلى الرسل وإلى قومه ، ليعلن أمام الجميع كلمة الحق ، ولم يرتض أن يقبع في بيته - كما يفعل الكثيرون - بل هرول نحو قومه ، ليقوم بواجبه في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر . وقوله - تعالى - : * ( قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) * بيان لما بدأ ينصح قومه به بعد وصوله إليهم . أي : * ( قالَ ) * لقومه على سبيل الإرشاد والنصح * ( يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) * الذين جاؤوا لهدايتكم إلى الصراط المستقيم ، ولإنقاذكم من الضلال المبين الذي انغمستم فيه . ثم أكد هذه الدعوة بقوله : * ( اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وهُمْ مُهْتَدُونَ ) * اتبعوا هؤلاء الرسل الذين جاؤوا بأمر ربكم إليكم ، ليرشدوكم إلى الطريق الحق ، والحال أنهم في أنفسهم ثابتون على الهدى ، راسخون في التمسك بالعقيدة السليمة . ثم أخذ بعد ذلك في حض قومه على اتباع الحق ، عن طريق بيان الأسباب التي حملته على الإيمان ، حتى يستثير قلوبهم نحو الهدى ، فقال - كما حكى القرآن عنه - : * ( وما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإِلَيْه تُرْجَعُونَ . أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِه آلِهَةً ؟ إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً ولا يُنْقِذُونِ . إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ) * . أي : قال الرجل الصالح لقومه : وأي مانع يمنعني من أن أعبد اللَّه - تعالى - وحده ، لأنه هو الذي خلقني ولم أكن قبل ذلك شيئا مذكورا ، وهو الذي إليه يكون مرجعكم بعد مماتكم ، فيحاسبكم على أعمالكم في الدنيا ، ويجازيكم عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب .